سيد محمد طنطاوي
278
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
( ل ) ثم تسوق السورة الكريمة في أواخرها الدلائل الدالة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، وتحكى جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وتؤكد أن هذا القرآن أنزله اللَّه - تعالى - بالحق ، وبالحق نزل ، وأنه نزله مفرقا ليقرأه الناس على تؤدة وتدبر . وكما افتتحت السورة الكريمة بالثناء على اللَّه - تعالى - ، فقد اختتمت بحمد اللَّه - تعالى - وتكبيره . قال - تعالى - : وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ولَمْ يَكُنْ لَه شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، ولَمْ يَكُنْ لَه وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْه تَكْبِيراً . ( م ) وبعد فهذا عرض إجمالى لأهم الموضوعات والمقاصد التي اشتملت عليها سورة الإسراء . ومن هذا العرض يتبين لنا ما يلي : . 1 - أن سورة الإسراء - كغيرها من السور المكية - قد اهتمت اهتماما بارزا بتنقية العقيدة من كل ما يشوبها من شرك أو انحراف عن الطريق المستقيم . وقد ساقت السورة في هذا المجال أنواعا متعددة من البراهين على وحدانية اللَّه - تعالى - وعلمه وقدرته ، ووجوب إخلاص العبادة له ، وعلى تنزيهه - سبحانه - عن الشريك ، ومن ذلك قوله - تعالى - : أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً . ولَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً . قُلْ لَوْ كانَ مَعَه آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ ، إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا . سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً . 2 - كذلك على رأس الموضوعات التي فصلت السورة الحديث عنها ، شخصية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فقد ابتدأت بإسراء اللَّه - تعالى - به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، حيث أراه - سبحانه - من آياته ما أراه ، ثم تحدثت عن طبيعة رسالته ، وعن مزاياها ، وعن موقف المشركين منه ، وعن المطالب المتعنتة التي طلبوها منه ، وعن تثبيت اللَّه - تعالى - له ، وعن تبشيره بحسن العاقبة . . . قال - تعالى - : وقُلْ جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً . 3 - من الواضح - أيضا - أن سورة الإسراء اعتنت بالحديث عن القرآن الكريم ، من حيث هدايته ، وإعجازه ، ومنع الذين لا يؤمنون به عن فقهه ، واشتماله على ما يشفى الصدور ، وتكراره للبينات والعبر بأساليب مختلفة ، ونزوله مفرقا ليقرأه الناس على مكث . .